الثعالبي
299
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
واختلف القراء في قراءة قوله تعالى : ( أو ننسها ) فقرأ ابن كثير وأبو عمرو : " ننسأها " ، بنون مفتوحة ، وأخرى ساكنة ، وسين مفتوحة ، وألف بعدها مهموزة ، وهذه بمعنى التأخير ، وأما قراءة نافع والجمهور : " ننسها " ، من النسيان ( 1 ) ، وقرأت ذلك فرقة إلا أنها همزت بعد السين ( 2 ) ، فهذه بمعنى التأخير والنسيان في كلام العرب يجئ في الأغلب ضد الذكر ، وقد يجيء بمعنى الترك ، فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات ، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان الذي هو ضد الذكر ، فمعنى الآية به : ما ننسخ / من آية أو نقدر نسيانك لها ، فإنا نأتي بخير منها لكم أو مثلها في المنفعة ، وما كان على معنى الترك ، أو على معنى التأخير ، فيترتب فيه معان ، أنظرها ، إن شئت فإني آثرت الاختصار . * ع ( 3 ) * : والصحيح أن نسيان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله أن ينساه ، ولم يرد أن يثبته قرآنا - جائز ، فأما النسيان الذي هو آفة في البشر ، فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم منه قبل التبليغ ، وبعد التبليغ ، ما لم يحفظه أحد من أصحابه ، وأما بعد أن يحفظ ، فجائز عليه ما يجوز على البشر لأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ ، وأدى الأمانة ، ومنه الحديث ، حين أسقط آية ، فلما فرغ من الصلاة قال : " أفي القوم أبي ؟ قال : نعم ، يا رسول الله ، قال : فلم لم تذكرني ؟ قال : حسبت أنها رفعت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لم ترفع ، ولكني نسيتها " ( 4 ) . وقوله تعالى : ( ألم تعلم ) : معناه : التقرير ، ومعنى الآية أن الله تعالى ينسخ ما شاء ، ويثبت ما شاء ، ويفعل في أحكامه ما شاء ، هو قدير على ذلك ، وعلى كل شئ ، وهذا لإنكار اليهود النسخ ، وقوله : ( على كل شئ ) عموم ، معناه الخصوص ، إذ لا تدخل فيه الصفات القديمة ، بدليل العقل ، ولا المحالات ، لأنها ليست بأشياء ، والشيء في كلام العرب : الموجود ، و ( قدير ) : اسم فاعل على المبالغة ، قال القشيري ( 5 ) : وإن من علم
--> ( 1 ) ينظر : " السبعة " ( 168 ) ، و " الكشف " ( 1 / 257 ) ، و " حجة القراءات " ( 109 ) ، و " العنوان " ( 71 ) ، و " الحجة " ( 2 / 180 ) ، و " شرح الطيبة " ( 4 / 54 ، 55 ) ، و " شرح شعلة " ( 272 ) ، و " معاني القراءات " ( 1 / 169 ) ، و " إتحاف " ( 1 / 411 ) . ( 2 ) وقد ذكر أبو حيان في البحر اثنتي عشرة قراءة لهذه اللفظة . ينظر : " البحر المحيط " ( 1 / 513 ) . ( 3 ) " المحرر الوجيز " ( 1 / 194 ) . ( 4 ) أخرجه أحمد ( 3 / 407 ) وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ( 2 / 72 ) وقال : رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح . ( 5 ) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد ، أبو القاسم القشيري ، النيسابوري ، أخذ عن أبي علي الدقاق ، وأبي عبد الرحمن السلمي ، ودرس الفقه على أبي بكر الطوسي ، وقرأ الكلام على ابن فورك ، وأبي إسحاق الإسفراييني ، قال ابن السمعاني : لم ير أبو القاسم مثل نفسه في كماله وبراعته . صنف التفسير الكبير ، والرسالة . ولد سنة 376 ، ومات سنة 465 .